محمد بن جرير الطبري
377
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ويل لكل همزة لمزة قال : ليست بخاصة لاحد . والصواب من القول في ذلك : أن يقال : إن الله عم بالقول كل همزة لمزة ، كل من كان بالصفة التي وصف هذا الموصوف بها ، سبيله سبيله كائنا من كان من الناس . وقوله : الذي جمع مالا وعدده يقول : الذي جمع مالا وأحصى عدده ، ولم ينفقه في سبيل الله ، ولم يؤد حق الله فيه ، ولكنه جمعه فأوعاه وحفظه . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه من قراء أهل المدينة أبو جعفر ، وعامة قراء الكوفة سوى عاصم : جمع بالتشديد ، وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والحجاز ، سوى أبي جعفر وعامة قراء البصرة ، ومن الكوفة عاصم ، جمع بالتخفيف ، وكلهم مجمعون على تشديد الدال من عدده ، على الوجه الذي ذكرت من تأويله . وقد ذكر عن بعض المتقدمين بإسناد غير ثابت ، أنه قرأه : جمع مالا وعدده بتخفيف الدال ، بمعنى : جمع مالا ، وجمع عشيرته وعدده . هذه قراءة لا أستجيز القراءة بها ، بخلافها قراءة الأمصار ، وخروجها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك . وأما قوله : جمع مالا فإن التشديد والتخفيف فيهما صوابان ، لأنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : يحسب أن ماله أخلده يقول : يحسب أن ماله الذي جمعه وأحصاه ، وبخل بإنفاقه ، مخلده في الدنيا ، فمزيل عنه الموت . وقيل : أخلده ، والمعنى : يخلده ، كما يقال للرجل الذي يأتي الامر الذي يكون سببا لهلاكه : عطب والله فلان ، وهلك والله فلان ، بمعنى : أنه يعطب من فعله ذلك ، ولما يهلك بعد ولم يعطب وكالرجل يأتي الموبقة من الذنوب : دخل والله فلان النار . وقوله : كلا يقول تعالى ذكره : ما ذلك كما ظن ، ليس ماله مخلده ، ثم أخبر جل ثناؤه أنه هالك ومعذب على أفعاله ومعاصيه ، التي كان يأتيها في الدنيا ، فقال جل ثناؤه : لينبذن في الحطمة : يقول : ليقذفن يوم القيامة في الحطمة ، والحطمة : اسم من أسماء النار ، كما قيل لها : جهنم وسقر ولظى ، وأحسبها سميت بذلك لحطمها كل ما ألقي فيها ، كما يقال للرجل الأكول : الحطمة .